فيروس كورونا ومناعة القطيع بالمغرب

0
689

د. محمد معروف، أستاذ بجامعة شعيب الدكالي – الجديدة 

لماذا ينتشر فيروس كورونا المستجد بطريقة محتشمة بالمغرب؟ كيف تجذم أوروبا وأمريكا بالعدوى والمغرب مازال يسجل حالات قليلة مقارنة بهذه الدول؟ هل يتعلق الأمر بعدم دقة الأرقام أم بعدم تصريح المرضى بإصابتهم أم بتوفر المغاربة على مناعة القطيع؟

Exchange Lab
Alpha Print

قبل الخوض في شرح هذه الأسئلة وتزويد القارئ برؤية مختلفة عن الرواية الرسمية، ينظر من خلالها إلى واقعه، نتطرق بإيجاز للغموض المتعلق بتاريخ فيروس كورونا في نسخته الجديدة، إذ هناك مزاعم علمية تقول ببداية الفيروس في ووهان الصينية، هذا على الرغم من أن علماء صينيين نشروا دراسة تميز بين نسخة قديمة للفيروس تلقب ب “س” ونسخة تحولت جينيا في الصين إلى  “ل” ، ولكن يظل حسب جل المصادر التي اطلعنا عليها مجهول المنشأ، كما يصعب حتى الآن الجزم في تاريخ ظهوره، ويعد رقم 19 إحالة إلى تاريخ اكتشاف المرض في الصين

نحن نعتقد من تجربتنا الشخصية وملاحظات ميدانية بالوسط الذي نعيش فيه بأن نسخة من هذا الفيروس المستجد ليست بغريبة عن المناخ الشمال الافريقي على الأقل منذ سنة 2018، وذلك استنادا للأعراض التي تصيب المريض…وهنا نحن واعون بالتمييز العلمي بين فيروسات كورونا السابقة مثل السارس والميرس و هذا الفيروس المستجد المؤرخ بمرض كوفيد 19

لماذا نعتقد أن نسخة من كورونا المستجد، ربما قد مرت بالمغرب من قبل؟ أولا، تلك الأرقام الضعيفة، مقارنة مع الكثافة السكانية، التي تنشرها وزارة الصحة، والتي لا تعبر عن انتشار وباء بما تحمل الكلمة من معنى،  وعدم وجود وفيات خارج نطاق المستشفيات تنذر بتفشي جذام كورونا …لقد مر المغاربة بعدوى فيروس زكام سابق بأعراض مماثلة في السنتين الأخيرتين، وكان خطيرا جدا حتى حلول شهر يناير الماضي بشهادة أطباء ومتعافين، إذ اشتكى مرضى وأطباء من هذا المرض في صمت، ولم يخبر أحد منا بطبيعة العدوى، وهذا ما يدفعنا للتساؤل: هل اكتشفت الصين العدوى وقدمت خدمة جليلة للبشرية أم تسببت في انطلاق الوباء؟

يبدو أن النسخة الفيروسية القادمة من الصين ليست هي بالضرورة النسخة التي تعرض لها المغاربة في السنتين الاخيرتين، وذلك لأن فيروس كورونا يتحول مع الانتشار من مجتمع لآخر ومن مناخ لآخر بدليل أن المتون التي قدمتها الأبحاث الصينية لم تتحدث قط عن فقدان حاسة الشم بوصفها من الأعراض، ولكنها ظهرت في إيطاليا وفرنسا، مما يعزز فكرة تحول الفيروس الجيني بانتقاله بين الناس، وهذا ما يدفعنا إلى التساؤل: هل شهد المغرب نسخة اقل شراسة من النسخة الصينية واكتسب العديد منا مناعة ضد الفيروس؟ مما قد يفسر الوتيرة البطيئة التي ينتشر بها داخل البلاد، هذا دون احتساب الإجراءات الوقائية التي أعلنت عليها الدولة لمواجهة الوباء في حينه، وبهذه المناسبة نرفع لها القبعة على هذه التعبئة المواطنة لمواجهة العدوى

تحدثت وزارة الصحة منذ بدايات الوباء عن أكثر من 3000 مخالط للحالات الوافدة وضعتها تحت المراقبة، لتعلن مؤخرا أن أكثر من 1600 حالة خرجت من المراقبة بنتائج سلبية، ومازال الباقون في حالة انتظار، إذ قد تخرج الأغلبية منهم بنتائج سلبية كذلك. ماذا يعني هذا؟ أليست هذه عينة علمية يمكن دراستها لاستخلاص نتائج أولية؟ لماذا لا تنتشر العدوى بين المخالطين، بشكل سريع وواسع، كما هو الشأن في فرنسا وإيطاليا؟

لماذا حين يصاب فرد من العائلة، لا يصاب الباقون بالعدوى بشكل ميكانيكي كما هو حاصل في العديد من الدول؟ كيف مثلا تسافر زوجة مع زوجها إلى الخارج، ويعودان معا إلى أرض الوطن لأكثر من خمسة عشر يوم، ليكتشف الزوج بأنه مصاب بكورونا أثناء السفر بينما تظهر نتائج فحوصات الزوجة سلبية؟ كيف يعود وزير مصاب بكورونا إلى المغرب ويخالط زوجته ويجتمع بوزراء، ثم تظهر الفحوصات أن لا أحد مصاب بالفيروس؟ فهل هذه سخرية القدر أم هي مؤشرات يجب دراستها لقياس درجات مناعة القطيع التي تدفعنا لوضع تساؤل منطقي: هل تعرض المغاربة لنسخة سابقة من الفيروس؟

وما على القارئ إلا أن يتصفح مقالا نشرته في هسبريس بعنوان “دوخة بين الأطباء” سنة. 2018، حيث تساءلت فيه عن حيرة الأطباء في إصابتي، وكنت قد تعرضت آنذاك لأعراض مماثلة لفيروس كورونا فور عودتي من عطلة في اكادير قضيتها بأحد الفنادق، وأصبت بفيروس مجهول الهوية حسب تشخيص الأطباء، فظهرت علي اعراض مثل الحمى والتقيؤ والاسهال والام الراس وضيق التنفس والدوخة وتصلب في العضلات خصوصا العنق، وكذا تسبب لي برواسب نورولوجية آنذاك

لما كنت أشاهد الفيديوهات القادمة من الصين، قلت للعديد من المعارف والأصدقاء، هذه الأعراض ليست غريبة عنا، فقط النسخة الافريقية لم تتسبب في وفيات أو اختناقات بالجملة كما حصل في دول أخرى. إذا افترضنا جدلا أن الكثير من المغاربة يتوفرون على اجسام مضادة تقاوم الفيروس، إذن ستستمر أعداد الإصابات محدودة على هذا المنوال، ولن يذهب المغرب إلى السيناريو الإسباني أو الإيطالي أبدا، وتصبح المؤشرات دالة جدا على وجود مناعة القطيع. كيف تدرس المؤسسة المتخصصة هذه الأرقام؟

إلى متى سيستمر الحجر الصحي؟ هل أعددت الدولة استراتيجية لمواجهة الفيروس بناء على دراسات ميدانية متعددة التخصصات؟ هل سيتم رفع الحجر الصحي بصفة تدريجية مرفقة بالفحوصات الجماعية؟ هل ستفكر الدولة في إنشاء درع مناعي جماهيري واقي لمواجهة الفيروس، مع الاحتفاظ بالإجراءات الاحترازية من نظافة وتعقيم ومسافة الأمان؟ بمعنى قد يستمر المسنون وذوو المناعة الضعيفة بالالتزام بالحجر الصحي، كما هو الشأن في بعض الدول، حتى تتوفر البيئة الصحية للخروج

يعتبر الحجر الصحي مرحليا حلا ناجعا، لكن كيف يمكن تجاوز هذا الإجراء دون أن نتسبب في نشر الوباء بشكل جذامي انطلاقا من فرضية ضعف مناعة القطيع؟ هل سيقوم المغرب بالفحص الجماهيري وعزل المصابين عن باقي المجتمع ومعالجتهم؟ هل يتوفر المغرب على اللوجستيك واليد العاملة المدربة للقيام بهذه الخطوة؟

أليس الحل الأقرب والأنسب لواقعنا الصحي هو تقوية مناعة القطيع والاستعداد للأسوأ القادم من الفيروسات المستقبلية؟

إن المشاكل الأخطر التي تواجهنا تكمن فيما يلي

كيف سنعالج خسائر الركوض الاقتصادي في زمن ما بعد كورونا؟ هل أعدت الدولة مخططات اقتصادية لإعادة الإقلاع؟ هل الدولة قادرة على الاستمرار في التماسك أمام اقتصاد معطل بسبب موجات كورونا والحجر الصحي المتكرر مستقبلا، خصوصا إذا لم نخرج لمواجهته والقضاء عليه بمناعة القطيع بشكل تدريجي؟

كيف ستعالج الدولة مشاكل قطاعي التعليم والصحة في زمن ما بعد كورونا؟ هل ستسمر في التسليك اليومي للأزمة أم ستعتمد سياسة توقعات علمية مدروسة لإدارة المرحلة القادمة؟

إذا اختارت الدولة حماية المواطنين من الإصابة بالفيروس، انطلاقا من فرضية عدم وجود مناعة القطيع، واختارت حل المكوث في البيوت لدرء الخطر، أليست هذه في حد ذاتها مقامرة، قد تعرض حياة المجتمع للخطر مستقبلا خلال الشهور والسنوات القادمة حين سيعود كورونا أو أحد اشقائه بأسلحة صاعقة للجهاز المناعي؟ أليس من الحكمة ان نواجه الفيروس الذي نعرفه ولو جزئيا الان بترسانة مناعة شباب قادر على حماية القطيع من انتشار العدوى وتقوية الجهاز المناعي للمجتمع على ان ننتظر في البيوت القادم المجهول؟

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here